يطرح الداخل التركي والوسط الإقليمي في الشرق الأوسط حالياً سؤالاً سياسياً مفاده، بإي إتجاه تؤشر بوصلة سياسة الجمهورية التركية في ظل رئاسة "رجب طيب اوردغان"، هل الى اعادة الحكم العثماني او الى تقسيم ماتبقى من الدولة العثمانية؟
ويشير مراقبون الى انه وفي أغسطس "آب" من العام 2001م أعلن الثلاثي (عبد الحميد غول رئيس الجمهورية التركية السابق ورجب طيب اوردغان وعلي يلدرم) وزير الخارجية الحالي عن تأسيس حزب "العدالة والتنمية" التركي، وهو الحزب الذي يصنف نفسه بأنه يتبع مسار معتدل غير معادٍ لليمين الغربي ويتبنى رأسمالية السوق بتوجه إسلامي رغم انه ينفي أن يكون حزباً إسلامياً وذلك عطفاً على أسمه "حزب العدالة والتنمية".
ويرى المراقبون بان حزب العدالة والتنمية يحرص على ان لا يستخدم الشعارات الدينية في خطاباته السياسية ويقول انه حزب محافظ يسعى لإنضمام تركيا الى الغرب الأوروبي لذا يصنفه البعض على إنه يمثل تيار الإسلام المعتدل، كما انه يمثل مقام الحزب الحاكم حالياً، اذ وصل الى الحكم في مارس عام 2002م، وبعد 18 سنة من الحكم تربع فيها على رئاسة الوزراء ومن ثم رئاسة الجمهورية بات حال الحزب في السلطة كحال المغادر يستعجل الطريق الى باب الخروج.
وتشير إستطلاعات رأي الى تدني شعبية حزب العدالة والتنمية في الشارع التركي مقارنة مع صعود أحزاب علمانية معارضة، حيث يؤكد بعض الخبراء بانه بات من المستحيل ان يتمكن هذا الحزب من الفوز بدورة رئاسية اخرى، بسبب الأداء الرديء والمتخبط للرئيس التركي "اوردغان" الذي يعتلي قمة هرم السلطة كممثلاً لحزب العدالة.
ويرى محللين بانه ليس من الإنصاف صرف النظر عن البناء الإقتصادي الذي انجزه الحزب خلال 18 عاماً في حكم تركيا، فقد تراجعت البطالة الى أدنى مستوياتها وتزاحمت رؤوس الأموال الأجنبية على أبواب مشاريع الإستثمار في تركيا بسبب حدوث طفرات إقتصادية في عالم المال والتجارة التركي، لأفتين الى انه وخلال فترة حكمه في كلى الرئاستين لم يكن "اوردغان" واضح الهدف في سياسته الخارجية، كما لم يكن يخفي اهتمامه بالأراضي التركية التي كانت تحت سيطرة الدولة العثمانية فهو مهتم بـ"القوقاز" وهي تحدي لـ"روسيا" بسبب إنحيازها الى "اذربيجان" في صراعها مع "ارمينيا" من خلال تزويدها بالسلاح وإشراف ضباط أتراك على تدريب الجيش الأذري.
ويرى عدد من المحللين السياسيين بان الرئيس التركي يقف اليوم امام تحدي ثنائي آخر مع (روسيا ومصر) في ليبيا، ويتمثل ذلك بإرساله لقوات تركية إلى "طرابلس" لإسناد قوات حكومة السراج، كما عزز "اوردغان" من وجوده في شمال "العراق" بزيادة عدد القواعد التركية من 20 الى 36 قاعدة عسكرية، وتوغل بعمق داخل الاراضي "العراقية" ليصل الى 70 كيلومتر في بعض القواعد، بالإضافة الى اطماعه التوسعية المتمثله بدخوله الى شمال "سوريا" هذه المنطقة التي دخل اليها بتواطئ ودعم اميركي لينافس بذلك الوجود "الإيراني الروسي" بإدخال 11000 جندي تركي في سوريا، وما زاد في التوتر والريبة الروسية من "اوردغان" مشاركة تركيا في مناورات عسكرية مع "اوكرانيا وأميركا وقوات أوربية".
وتعتمد تركيا منذ ان جاء حزب "العدالة والتنمية" الى سدة السلطة كثيراً على تمويل دولة "قطر" بسبب الإلتقاء (العقائدي) بين فكر "الإخوان المسلمين" في كلا البلدين، ولكن البعض يتسائل اذا كان هناك استعداد تركي لدخول حرب هل سيستمر هذا التمويل القطري الذي هو ليس شيك مفتوح قابل للصرف في اي وقت يشاء سيما بعد ان فتح "اوردغان" اكثر من جبهة، فتركيا وبحسب الكثير من المؤشرات مرشحة بان تدخل في حرب بمنطقة "القوقاز" وهي الجبهة الأكثر اشتعالاً وسخونة مع الأتراك او في شمال افريقيا أو في العراق او في سوريا.
ويقول العديد من الخبراء في شؤون تركيا والشرق الأوسط بانه ان لم تحدث حرب خاطفة سريعة تجنى نتائجها في اليوم الثاني او الثالث وكباش هذه الحروب ولت منذ اخر حرب عربية إسرائيلية سنة 1973م فلا يمكن لتركيا ان تنجح او تواصلها مشوارها في فرض هيمنتها على دول المنطقة او ان يستمر الدعم القطري لها ولتوجهاتها الإستعمارية، خاصة والحروب اليوم قد تبدأ ولكن لا أحد يتوقع نهايتها.
وبحسب تقديرات المراقبين للمشهد السياسي التركي فان "اوردغان" لم يحسن قراءة الحرب في "القوقاز" بعيون الغرب الأوربي الأميركي الذي يريد من خلالها انتزاع "ارمينيا" من مخالب الدب "الروسي" عن طريق الزج بتركيا في إتون هذه الحرب، بل جل ما يحسن قراءته في هذه المرحلة والحرب هي الطموحات التركية في الأراضي العثمانية القديمة، كما انه لايراعي مصالح الحلفاء والشركاء قدر ما يتربص بهم، مشيرين الى ان الرئيس الليبي السابق "معمر القذافي" أعطى تركيا 35 مليار دولار ولكن "اوردغان" الماكر غدر به بل كان أول من شارك في حرب إسقاط "معمر القذافي"، واليوم يساوم بل يضحي بالورقة "الإقتصادية" التي يحققها مقابل الورقة "السياسية" التي تأخذه إلى المجهول.
ولفتت العديد من التقارير الى ان الرئيس التركي "رجب طيب اوردغان" يحاول استمالة الداخل من خلال السيطرة على مراكز النفوذ والقوة والسيادة خاصة اجهزة "الأمن والمخابرات والجيش والشرطة"، ويعتمد في حساباته الاستراتيجية على الخلاف بين الشرق والغرب ويراهن على تأييد الدول بعض الدول الإقليمية الهشة "المتهالكة والضعيفة" التي لاتمسك باي قرار حتى في سياستها الداخلية، فهي وان كانت تؤيده في دخوله الحرب في ليبيا وجنوب اليمن ولكنها لاتؤيد دخوله "سوريا" وتعد ذلك تجاوز لخطوطها الحمر المرسومة بإملاءات خارجية.
وتؤكد التقارير ذاته بان توسع "اوردغان" في مربع كبير المساحة كان قبل أكثر من 120 عام تحت سيطرة اجداده "العثمانيين" وهو الشيء الذي يعد عامل لإنهيار تركيا الحديثة، فهذا الرجل الماكر يكرر خطأ جده السلطان "عبد الحميد الثاني" عندما كان تستفزه "روسيا" القيصرية من الشرق وتحرض عليه الإمبراطورية البريطانية وفرنسا من الغرب ومن الداخل تنخر في سلطنته معارضة تدعي انها رائدة للحضارة الحديثة حتى انهكوا دولته وانقضوا عليها وفتتوها فكان نصيب ماتبقى من الدولة العثمانية هو الجمهورية التركية الحالية التي يرأسها "رجب طيب اوردغان".
ويتوقع الكثير من النقاد والمحللين السياسيين المهتمين بالشأن التركي ان يتحرك "اوردغان" في محيط سياسي وعسكري سيفضي الى نتائج مجهولة، فالرجل يقوم تارة باستفزاز دول ليس له قدرة الوقوف امامها، وتارة اخرى بقرض مساحات اراضي من دول مجاورة كانت يوماً تحت سيطرة اجداده "العثمانيين" كما توغل إسرائيل في عمق الأراضي العربية، متسائلين بالقول : هل يستطيع هذا الرجل الماكر اذا ما اندلعت حرب الحفاظ على تركيا الحالية وهي ماتبقى من الدولة العثمانية "دولة موحدة" او انه سيدفع بغطرسته وتهوره وعنجهيته وغوغائيته الى تجزئة تركيا الى دويلات اثنية ستكون هي النتاج الحتمي لسياسات "ارودغان" الهمجية.